الحلبي

412

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

رسول اللّه إنها لم ترك . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حال بيني وبينها جبريل » ولعل مجيئها قد تكرر فلا منافاة بين ما ذكر وكذا ما يأتي ، وكما يقال في الحمد محمد يقال في الذم مذمم ، لأنه لا يقال ذلك إلا لمن ذم مرة بعد أخرى ، كما أن محمدا لا يقال إلا لمن حمد مرة بعد أخرى كما تقدم . وقد جاء « أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : ألا تعجبون كيف يصرف اللّه تعالى عني شتم قريش ولعنهم ، يشتمون مذمما ، ويلعنون مذمما وأنا محمد » . وفي الدر المنثور « أنها أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس في الملأ ، فقالت : يا محمد علام تهجوني ؟ قال : إني واللّه ما هجوتك ، ما هجاك إلا اللّه . قالت : رأيتني أحمل حطبا أو رأيت في جيدي حبلا من مسد » وهذا مما يؤيد ما قاله بعض المفسرين أن الحطب عبارة عن النميمة ، يقال : فلان يحطب عليّ : أي ينمّ ، لأنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة ، وتغري زوجها وغيره بعداوته صلى اللّه عليه وسلم ، وتبلغهم عنه أحاديث لتحثهم بها على عداوته صلى اللّه عليه وسلم ، وأن الحبل عبارة عن حبل من نار محكم . وعن عروة بن الزبير : مسد النار سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا ، واللّه أعلم وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله : وأعدت حمالة الحطب الفهر * وجاءت كأنها الورقاء ثم جاءت غضبى تقول أفي * مثلي من أحمد يقال الهجاء وتولت وما رأته ومن أين * ترى الشمس مقلة عمياء أي وهيأت حمالة الحطب الفهر ؟ ولقبت بذلك ، لأنها كانت تحتطب : أي تجمع الحطب وتحمله لبخلها ودناءة نفسها ، أو كانت تحمل الشوك والحسك وتطرحه في طريقه صلى اللّه عليه وسلم . ولا مانع من اجتماع الأوصاف الثلاثة ، لكن استفهامها يبعد الوصفين الأخيرين . والفهر الحجر الذي يملأ الكف كما تقدم ، لتضرب به النبي صلى اللّه عليه وسلم والحال أنها جاءت في غاية السرعة والعجلة كأنها في شدة السرعة الحمامة الشديدة الإسراع ، حالة كونها غضبى من شدة ما سمعت من ذمها في سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : الآية 1 ] ، تقول : أفي مثلي وأنا بنت سيد بني عبد شمس يقال الهجاء والسب حالة كونه من أحمد وتولت والحال أنها ما رأته ، وكيف ترى الشمس عين عمياء . أقول : في ينبوع الحياة أنها لما بلغها سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : الآية 1 ] جاءت إلى أخيها أبي سفيان في بيته وهي مضطرمة : أي متحرقة غضبى ، فقالت له : ويحك يا أخمس : أي يا شجاع أما تغضب أن هجاني محمد ، فقال سأكفيك إياه ، ثم أخذ سيفه وخرج ثم عاد سريعا فقالت : هل قتلته ؟ فقال لها : يا أخية أيسرك أن رأس أخيك في فم الثعبان ؟ قالت : لا واللّه ، قال : فقد كان ذلك يكون الساعة . أي فإنه رأى ثعبانا لو قرب منه صلى اللّه عليه وسلم لالتقم رأسه .